ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
306
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
وفيما أنفقه فأعظم يا مسكين جنايتك عند ذلك على نفسك وبخطرك ( 1 ) فإنك بين أن يقال لك قد تفضلت عليك بالغفران فعند ذلك يعظم سرورك وفرحك ويغبطك الأولون والآخرون وإما أن يقال للملائكة خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه وعند ذلك لو بكت عليك السماوات والأرض لكان ذلك جديرا لعظم مصيبتك وشدة حسرتك على ما فرطت من طاعة الله وعلى ما بعت به آخرتك من دنيا دنية لم تبق معك . واعلم أنه لا ينجو من هول ذلك اليوم إلا من حاسب في الدنيا نفسه ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطواته ولحظاته كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا . وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله ورد المظالم حبة بعد حبة ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده فيطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة فهذا يدخل الجنة بلا حساب وإن مات قبل ذلك كان على أمر خطر من أهوال ذلك اليوم فتعوذ بالله من شر ذلك الموقف حين تتذكر ما أنذرك الله على لسان رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث قال : « وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 2 ) » كما اشتد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل وخوطبت بخاطب السياسة وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على أن ترد حقا أو تظهر عذرا . ثم انظر أيها الغافل بنفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه واصرف التفكر إلى موردك فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع قال الله تعالى : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 3 ) » فأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك
--> ( 1 ) كذا في النسخ فليكن المعنى فأعظم بخطرك . ( 2 ) سورة إبراهيم آية 42 . ( 3 ) سورة مريم آية 72 .